زحلة التي أصبحت أول جمهورية في الشرق ومنارة للعالم

06/22/2018 - 12:07 PM

 

 

بقلم: محمد زريق

لبنان هو مركز الحضارات وهمزة الوصل التي تربط ما بين الشرق والغرب وبوابة العبور إلى العالم العربي ومصنع العلماء، هكذا درسنا وتعلمنا في كتب الجغرافيا والتاريخ عن وطننا الحبيب لبنان. ولكن عند الخوص في تاريخ هذا الوطن الغني ثقافياً وحضارياً وفكرياً، تصبح كل بلدة لبنانية عبارة عن موسوعة تاريخية، فهذا الوطن الذي يذكرنا بالأنبياء والرسل والقديسين هو أقرب نقطة إلى قلب الله وموقعه الجغرافي يوحي لنا بأنه قلب العالم.

عند الحديث عن الحضارة والتاريخ والفكر كان من الواجب أن أذكر مدينة "زحلة" وأطيل الكلام والحديث، ليس لأنها مدينتي ولا لأنني مجبول بترابها، بل لأنها النقطة التي يبدأ منها العالم وينتهي. بين جبالها ووديانها ستشعر بالصفاء والنقاء الذهني، ومن مائها ستروي عطشك الروحي، وبين ناسها ستشعر بأنَّ هذا الوطن هو مصنع الأنبياء والقادة والرجال الرجال، ومن عظمتها ستعرف أنها أول جمهورية في الشرق وأنَّ هذه المدينة خلقها الله لتعطي دروساً في الديموقراطية والتشريع والتطور.

زحلة هي المدينة التي اشتهرت بأنها "مقبرة الغزاة"، فلم تستطع جيوش العالم التي وصلت إلى الشرق وإلى لبنان على ترويض هذه المدينة، فظلّت هي سيدة المدن اللبنانية بحمى "سيدة زحلة"، هكذا أصبحت مدينة "زحلة" مربوطة بقصص البطولة والشرف والعظمة والحضارة. ولشدة جمال وبهاء هذه المدينة أطلق عليها تعبير "عروس البقاع"، ولأنها كانت منبع الشعراء وأرض الكرمة والكرّامة، أصبحت زحلة "مدينة الشعر والخمر".

بين عامي 1825 و1858 تمّ تأسيس أول جمهورية في الشرق وكان مركزها مدينة "زحلة" وهي المدينة التي تعتبر صلة الوصل في الزراعة والتجارة ما بين بيروت ودمشق وبغداد والموصل، بالاضافة إلى موقعها المتميز في وادٍ بين تلتين، ويمر على طول المدينة نهر البردوني، الذي ينبع من جبل صنين، والذي يقسم المدينة إلى قسمين، القسم الأول الشرقي يضم أحياء وادي العرائش، البربارة، الميدان، حوش الزراعنة، المعلَّقة، الكرك (المعروف بكرك نوح) وحيّ السيّدة المعروف بالمدينة الصناعيّة. أما القسم الثاني الغربي ويضم أحياء الراسية، سيّدة النجاة (المعروف بـ «حي المعالفة»)، مار انطونيوس، مار جرجس ومار مخايل، مار الياس، حوش الأمراء، التويتي وكساره. ويتألف العلم الزحلي من اللون الأحمر الذي يرمز إلى دماء الشهداء واللون الأخضر الذي يرمز إلى الحياة والبقاء والخلود، لتصبح بالفعل داراً للسلام والأمن والاستقرار.

لن تكون غريبا هنا، لأنها المدينة المشهورة بالكرم وحسن الضيافة، وهي المدينة العصرية ولكنها لا تزال تحافظ على التراث والعادات والتقاليد اللبنانية، فمشهد البيوت القرميدية لم يتغير والطرقات القديمة لا تزال موجودة. وإذا كنت تبحث عن جودة الشعر اللبناني الأصيل، فلا تفتش كثيراً، لأنَّ زحلة هي المدينة التي أنجبت أهم الشعراء في لبنان والعالم، وهي المدينة التي لم تبخل يوماً بتخريج أهم الرجالات مثل الرئيس الراحل الياس الهرواي والسفير الراحل فؤاد الترك والشاعر الكبير سعيد عقل وفوزي المعلوف.

لشدّة تعلق الشاعر سعيد عقل بهذه المدينة كتب عنها وقال:

نحنا هلك يا زحّل منموت ما منزّل
يا نهرنا يفرّق عزم وشرف ع الحل

يضحكلنا الريحان وتهابنا الشجعان
وبتقول شانن شان يوم السيوف تهلّ

الطعن عنا عيد ومنقول الله يزيد
يملّ الرمح بالايد والايد ما بتملّ

يا قصرها لعالنهر مجايل بعزّو الدهر
بالحرب غبنا شهر وعدنا عليها نطلّ

وبطرق ع بابك ليل والسيف يقطر ويل
منك؟ عقيد الخيل خوّيا بصدري غلّ

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment