حدّثني عن فينيقيا يا جدّي

06/11/2018 - 11:02 AM

 

 

بقلم: محمد زريق

بينما كنتُ جالساً الليلة الماضية أتصفح جريدتي وأشرب فنجان القهوة، جلس حفيدي إلى جانبي وملامح الحيرة مرتسمة على وجهه.

سألته: "ما الأمر يا عزيزي؟! هل كل شيء على ما يرام؟!"

فقال لي: "لا داعي للقلق يا جدي، ولكنني مندهش من هذا اللبناني البارع في تجارته والذي عَبَرَ البحار وغزى العالم ثقافياً، ولست أدري إن كانت هي صدفة القدر التي جعلت من هذا اللبناني شخصاً متميزاً أم بسبب الجغرافيا وطبيعة الأرض"

أجبته وأنا أقاوم دموعي: "كلا يا بني، إنها ليست الصدفة، ولا حتى الجغرافيا. إنها قصة طويلة بدايتها فينيقيا ونهايتها لبنان"

سألني حفيدي باستغراب: "ما هي فينيقيا وما علاقتها بلبنان؟"

قلت له: "إنَّ القصة طويلة جداً عمرها من عمر الأرز وكلماتي القليلة الآن لن تكون كافية، ولكنني سأحاول أن أخبرك القصة بإيجاز"

إنَّ وطننا "لبنان" بحدوده الحالية كان مركزاً لحضارة عظيمة هي "الحضارة الفينيقية"، وقد سكن الفينيقيون على السواحل وذلك لسهولة الانتقال من نقطة إلى أخرى عبر السفن بهدف التجارة، ولهذا السبب إنَّ اللبناني منذ قديم الزمن قد أحترف التجارة، ومن أهم المواد التي اشتهر الفينيقيون بتجارتها هي الأرجوان، علماً أنهم من اكتشف اللون الأرجواني.

سعى الفينيقيون خلال رحلاتهم في حوض البحر المتوسط إلى نشر لغتهم التي تتألف من 22 حرفاً، وقد استخدم اليونانيون الحرف الفينيقي، والذي بدوره أثّر على الحرف اللاتيني المستخدم اليوم. إنَّ التاريخ الفينيقي (الكنعاني) موغلٌ في القدم، فهو يعود إلى حوالي الألفي سنة قبل الميلاد، ويعتبر الفينيقيون أنهم من أولى الشعوب التي سعت إلى التقارب الحضاري والثقافي وربط الشرق بالغرب، وذلك يعود إلى مبادرتهم بالابحار والسعي إلى التعرف على الحضارات والثقافات الأخرى، ونشر ثقافتهم الخاصة.

يعتبر الفينيقيون ساميون وليسوا حاميين، وأن موطنهم هو أرض كنعان، وذلك بالاستناد إلى التوراة، وبذلك أصبحت أرض الساحل اللبناني هي أرض فينيقيا. إنَّ كلمة فينيقيا تعود بأصلها إلى الكلمة اليونانية Phoinix، أي الأحمر الأرجواني نسبة إلى صناعة الأصباغ حينها. ومما لا شك فيه أنَّ لكلمتا كنعاني وفينيقي اليوم المعنى الدلالي وحده.

تعتبر مدينة صور النقطة الرئيسية أو شرارة انطلاق الحضارة الفينيقية، وقد كانت هي المكان الذي اختاره قدموس لنشر الأبجدية، وأطلق الأغريق عليها اسم "متروبولس" أي العاصمة. اعتبرت مدينة صور حصناً ومعقلاً فينيقياً، وميناءها كان أكبر ميناء فينيقي. وقد ذُكِرَ ملوك صور في التوراة، منهم احيرام الأول الذي كان معاصراً للنبي سليمان. وقد عمل الفينيقيون على التوسع، فقامت المستوطنات الفينيقية في شرق البحر المتوسط وغرب البحر المتوسط وفي شمال أفريقيا، بالاضافة إلى المستوطنات في المدن الأوروبية على شاطئ البحر المتوسط.

يا ولدي كل ما أطلبه منك هو أن لا تنسى تاريخك وأن ترفع رأسك عالياً وتفتخر أنك ولدت على أرض مقدّسة ومباركة.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment