سياسات الأستاذ "ترامب"

06/03/2018 - 15:19 PM

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

يفاجئنا الرئيس الأميركي بقرارات كبيرة ليس فقط في السياسة والتعيينات، بل أيضا وخاصة في الاقتصاد. عقيدته فيما يخص دول المنطقة جميعها تدعو أقله للحذر والقلق خاصة بعد قرار نقل السفارة الى القدس. قراراته فيما يخص كوريا الشمالية مفاجئة بل تضع كل دول أسيا في حرج. أفكاره تجاه الصين واليابان تدعو للتساؤل حول أهدافه الحقيقية حتى فيما يخص الولايات المتحدة نفسها. هل يريد أميركا دولة عظمى أم فقط دولة قوية تهتم بأوضاعها الداخلية حتى على حساب الجميع؟ لا شك أن ترامب يحاول تنفيذ ما وعد به خلال الانتخابات وبالتالي ينفذ أفكار من انتخبه. ترامب هو نتيجة للوضع الأميركي الداخلي المبني على الخوف العرقي والقلق الاقتصادي والاجتماعي. لم يكن ليظهر ترامب لو بقي النمو الأميركي قويا ولم تسؤ فجوة الدخل والثروة خلال عقود من الزمن. ازدياد الأغنياء غنى وتوسع الفارق بين الطبقات ساهما في انتحاب الملياردير دونالد ترامب. يشعر من انتخب ترامب أي خاصة الأبيض الأميركي أن نفوذه في الدولة التي أنشأها ضعف ولا بد من الانتقام وربما التصحيح عبر ترامب.

التعامل مع رئيس كوريا الشمابية

لا نفهم مثلا لماذا يرتاح ترامب في التعامل مع رئيس كوريا الشمابية أكثر مما يرتاح في العلاقة مع الرئيس الكوبي. أيهما أخطر تجاه أميركا؟ هل الهدف هو تصحيح العلاقات الثنائية أم تدمير كل ما بناه الرئيس السابق الذي غير السياسات الأميركية تجاه الجزيرة الكاستروية بعد عقود من التشنج والمواجهات. عدم درس وتحليل أسباب فوز ترامب في الرئاسة سيؤدي حكما الى اعادة انتخابه. فوزه لم يكن صدفة بل نتيجة تراكم سياسات اعتبرها الداخل الأميركي خاطئة. تذمر الأميركيون من الخلل التجاري الخارجي خاصة مع الصين ومن المساعدات الخارجية التي أعتبرت نوعا من الهدر، كما من الانفاق الخارجي الكبير على الأمن والتسلح ضمن حلف شمال الأطلسي وغيره. كل ما اعتبره الرؤساء الأميريكيون السابقون مهما جدا لعظمة أميركا، يعتبره الرئيس الحالي هدرا وانفاقا غير مجد بكل ما في الكلمة من معنى. أوباما قدم الأمل لأميركا لكن الأميركيين على ما يبدو رأوا غير ذلك وأعتبروه ضعفا ولا مبالاة بأوضاعهم ففرضوا التغيير.

أسباب التذمر العرقي الأميركي

اذا قارنا أصول المولودين الجدد داخل الولايات المتحدة وقارنا النسب بين سنتي 1960 و 2000 مثلا، نفهم أسباب التذمر العرقي الأميركي وتوجهه نحو ترامب. في سنة 1960، أتى المولودون الجدد أولا من أصول ايطالية وثم ألمانية فكندية وبريطانية وبولونية أي أكثرية كبيرة "بيضاء". في سنة 2000، تغيرت جذريا النسب وأصبحت أولا مكسيكية فصينية وفيليبينية وهندية وكوبية. أميركا تغيرت في الديموغرافيا وهل هنالك عامل أهم من السكان وتوزعهم؟ العرق الأبيض يصبح أسمرا مع الوقت. من هنا دعا ترامب النروجيين للهجرة الى أميركا. لكن النروجيين ينعمون بأوضاع ممتازة في بلادهم، فلماذا يهاجرون؟

من انتخب ترامب؟ الطبقة الوسطى البيضاء. لكن ترامب غني وهل يمكنه أن يمثل فعلا هذه الطبقة؟ في الحقيقة من انتخب ترامب كان متذمرا من الأوضاع التي آلت اليه المناطق الريفية الأميركية ومتذمرا من ادارة الدولة على مدى عقود سابقة. من انتخبه أيضا هو من يحلم بأن يصبح غنيا مثله. الحلم الأميركي ما زال موجودا في عقول الأميركيين، وان كان تحقيقه أصبح اليوم أصعب مع تغير العلاقات الدولية. من انتخب ترامب يحلم بتغيير أميركا والعالم ليعيد الثروة الى أميركا نفسها. يعتقد الأميركيون أن الخارج سلبهم الثروة بسبب تقاعس الادارات السابقة. بالتالي يجب التشدد واعتماد الحزم حتى لو اضطرت الادارة الى استعمال الآلة العسكرية الكبيرة التي أنفقوا عليها المليارات ولم يستعملوها كم يجب حتى اليوم. مقارنة الفوائد بالتكلفة هي ما يحاول ترامب اليوم تقييمها بدقة لمعرفة التوجهات المستقبلية.

ما هي الوقائع التي تعتمد عليها السياسات الترامبية الجديدة؟

يقول "ريشارد هاس" في كتابه "الفوضى العالمية" أن الخيار هو بين تعديل النظام العالمي أو الاكمال في الفوضى والضياع الحاليين. يقول هاس أن أهم المشاكل التي يتصورها ترامب ويرغب في معالجتها هي العلاقات مع الصين وركائز العولمة والعلاقات السياسية والتجارية الدولية. هنالك تصور مبني على الواقع والعقيدة وهنالك حلول يمكن أن تؤدي الى النتائج الفضلى أو تعيق وتعقد العلاقات الدولية.

أولا: في العلاقات مع الصين، وضع ترامب تعريفات مهمة على استيراد الفولاذ والألمنيوم وستلحقها عقوبات أخرى على المارد الكبير. هنالك خوف من حرب تجارية تضر بالجميع وبالاقتصاد الدولي والدول النامية تحديدا. خرج ترامب من اتفاقية التجارة مع دول المحيط الهادئ وكأن من فاوض سابقا عليها هو جاهل. يحاول اعادة التفاوض حول اتفاقية التجارة مع كندا والمكسيك كما على اتفاقية البيئة التي وقعت في باريس وخرج منها. من الممكن أن ينضم اليها مجددا اذا عدلت بالطريقة التي يرغب بها. يرتكز ترامب على فكرة أن من وضع ووقع الاتفاقيات السابقة لا يعرف مصلحة أميركا، أكان جمهوريا و ديموقراطيا. هو الوحيد الذي يعرف ما يهم الاميركي. الغريب في مؤتمر دافوس، أن الرئيس الصيني كان المدافع الأول عن النظام الرأسمالي وكان بعض الرؤساء الغربيين منتقدين جدا بل معارضين للعديد من الظواهر الرأسمالية.

ثانيا: في العولمة وفهم العلاقات الدولية، تشير الوقائع الى رغبة الرئيس الأميركي في تحدي العالم والشعوب، تماما كما فعل مع قضية السفارة الأميركية. مبدأ وضع العقوبات والتعريفات خطير، وكأن "الأستاذ" يعاقب الطلاب القاصرين الذين يجهلون ماذا يفعلون. عقوبات على الصين وكوريا وروسيا وبقية دول العالم، وكأن الأستاذ يمارس صلاحياته الموضوعة من قبله والمفروضة على الجميع. يضع ترامب المبادئ ومدى القدرة على التحرك حولها ويعاقب من لا ينفذ أو من يفكر بعدم التنفيذ. يجهل ترامب ربما أن الانتاج لم يعد محليا بل دوليا. مثلا هاتف شركة "أبل" يصنع في 9 دول وبالتالي هو سلعة عالمية ويعتمد على خدمات عالمية أيضا.

الحريات الاقتصادية والديموقراطية الانتخابية؟

ثالثا: هل يشكل ترامب خطرا على النظام العالمي المبني على الحريات الاقتصادية والديموقراطية الانتخابية؟ يقول "ادوارد لوس" في كتابه عن "تراجع الليبيرالية الغربية" أن هنالك خوفا من أن تكون أضرار سياسات ترامب أكبر بكثير مما يظهر اليوم الى العلن. من هذه الأضرار تعثر أوضاع الدول النامية وخاصة الفقراء داخلها اذ لا يدخل هذا الموضوع ضمن اهتمامات الرئيس لكن شظاياه لا بد وأن تؤثر على أميركا نفسها. لا شك أن السياسات الاقتصادية الموضوعة منذ الستينات في الدول الغربية والمصدرة الى كل دول العالم لم تعط النتائج المتوخاة، بل سببت الخسائر والفقر والبطالة والأزمات آخرها في 2008. الحل لا يكمن في الانعزال والحمايات والعقوبات بل في تطوير وتحسين العلاقات الدولية عبر التفاهم والتعاون. ربما يكون دواء ترامب أسواء من الداء، وهذا ما سيفهمه العالم والأميركيون لكن ربما متأخرين أي بعد 8 سنوات من حكم الملياردير.

رابعا: تطورت التكنولوجيا العالمية بفضل الانفتاح التجاري وتحسن العلاقات بين الدول عبر انتقال الخبرات والعقول وازدهار المختبرات والتجارب العلمية في كل العالم. الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي ليسا انتاجا أميركيا بل عالميا وسيغيران كل شيء بدأ من دور الأنسان الى العلاقات بين البشر والانتاجية.

خامسا: يجهل بعض السياسيين أن التعامل مع الناس لا ينجح الا اذا عالج مشاكل البيئة والمجتمعات التي ينتمي اليها أو ما تسميه "أمي شوا" القبيلة في كتابها "القبائل السياسية". تفسر فوز ترامب بأنه استغل الشعور القبلي عند البيض وبالتالي تجمعوا لانتخابه. تفسر خسارة أميركا لحرب فيتنام بتجاهلها للأصول القبلية للشعوب واعتبارهم شيوعيين يريدون ضرب النظام الرأسمالي ضمن الحرب الباردة. أخطأ في التقدير والمعالجة.

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment