تجليات العبودية الطوعية عربياً

05/07/2018 - 09:47 AM

 

 

بقلم الدكتور حسين الديك

صرخة الفيلسوف الفرنسي ايتيان دي لابوسيه قبل خمسة قرون عندما وصف الحرية في ذاك العصر انها أصبحت وكأنها شيء لا يمت الى الطبيعة، كانت صرخة مدوية في عالم يصارع جبروت سلطة اللاهوت والكهنوت ويعمل على تحديها ومقاومتها، ولكن هذه الصرخة لا زالت تتردد في أجواء العالم الى يومنا هذا، فالحرية التي بحث عنها الانسان لا زالت قاصرة في مكان ما، ومتنازل عنها في مكان اخر، ومزيفة في مكان ما، وارجع تنازل الانسان عن حريته الى الحاجة وغياب الوعي والمعرفة.

لقد طرح المفكر الفرنسي ايتيان دي لابوسيه في كتابه العبودية المختارة مسالة شرعية الحكام الذين يسميهم اسيادا او طغاة مهما كانت طريقة وصولهم الى السلطة سواء بالقوة او بالوراثة او الانتخاب، وقضية خضوع الشعب الغير مفهوم لسلطة الفرد الواحد، وقد تميزت تلك الفترة من عهد فرنسا الذي كتب فيها المؤلف هذا الكتاب وهو في السادة عشرة من عمره بفترة من الظلم والاستبداد المطلق، وهو سؤال محير، الذي حير عقول الكثيرين منذ زمن طويل ولم يلق إجابات شافية.

ويقول المفكر الفرنسي في كتابه (عندما يتعرض بلد ما لقمع طويل تنشا أجيال من الناس لا تحتاج الى الحرية وتتوائم وتتأقلم مع الاستبداد ويظهر فيه ما يمكن ان نسميه المواطن المستقر، والذي يستشيط غضبا ضد الدول الأجنبية التي تبيح المحرمات بحجة ان ذلك ضد إرادة الله، ولكنه لا يفتح فمه بكلمة واحدة مهما بلغ عدد المعتقلين في بلاده ظلما وعدد الذين ماتوا من التعذيب! ويفعل الفاحشة والفساد في بلاده جهارا نهارا وبعد ذلك يحمد الله).

واذا اسقطنا هذا الواقع على الحالة العربية في يومنا هذا، فان العبودية الطوعية او العبودية المختارة التي تحدث عنها المفكر الفرنسي ايتيان دي لابوسيه تتجلى بكل وضوح في عالمنا العربي، اذا بلغت الأنظمة السلطوية اشد ظلمها واستبدادها، واصبح لدينا أجيال تأقلمت مع هذا الواقع، وظهر لدينا ما يعرف بالمواطن المستقر، والاهم من ذلك لا يوجد ابداع فكري او أي مثقف عضوي يدعو للتغير ويتمرد على الواقع المستبد، ولا يوجد أي تجديد في الخطاب الثقافي او تجديد في الخطاب الديني او تجديد في الخطاب السياسي، بل اصبح الواقع يتمثل بمجموعة من المطبلين والمهللين والمصفقين للأنظمة السلطوية، ومجموعة من المحتكرين للخطاب الديني لتلبية مصالحهم ورغباتهم وغرائزهم وخدمة غاياتهم واهدافهم الضيقة، ونرى انسجاما وتوافقا من الشعوب مع هذا الواقع، ومن هنا تتجلى العبودية المختارة التي تحدث عنها المفكر الفرنسي ايتيان دي لابوسيه قبل خمسة قرون.

انها العبودية الطوعية تتجلى في عالمنا العربي وتعبر عنها الجماهير المنقادة والسحيجة ونجوم الشاشات، فهل تنهض هذه الشعوب يوما ما، وتنفض عنها غبار العبودية المختارة، وتتحرر من عبودية الكهنوت، ومن عبودية القبيلة، ومن عبودية السلطان ؟؟، فلا ثورة بدون منظرين ومفكرين، ولا ثورة بدون معرفة، ولا ثورة بدون انتصار لسلطة العقل وسلطة المعرفة على سلطة الكهنوت والتي لا زالت سائدة في العالم العربي.

فلن يتحرر المواطن العربي من السلطوية الظالمة ومالم يحرر عقله أولا من سلطة اللاهوت التي تحد من فكره وتقيده داخل حدود ضيقة تمنعه من التفكير والابداع، ولن يتحرر المواطن العربي ما لم يتحرر من سلطة القبيلة التي تجعله فقط أداة للتصفيق والاذعان لسلطة القبيلة والعائلة، ولن يتحرر المواطن العربي مالم يحرر عقله أولا وينطلق نحو الابداع والابتكار والتجديد.

فيجب إعادة الاعتبار لسلطة الوعي والمعرفة لدى المواطن العربي حتى يستطيع ان يتحرر من سلطة اللاهوت والكهنوت ويتمرد على الاستبداد الديني والقبلي والسلطوي العربي، وهذا بحاجة الى تحرر الفرد بالدرجة الأولى وإطلاق العنان للإبداع والابتكار والتجديد، فلا تحرر من دون تجديد الخطاب الديني والسياسي والثقافي العربي، ولا تحرر من دون الفصل بين سلطة العقل وسلطة اللاهوت في العالم العربي.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment