نزاعات تؤثر على الغذاء

05/02/2018 - 11:30 AM

 

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

مهما تعقدت الأمور وتفاقمت النزاعات الأمنية والسياسية، يبقى انتاج الغذاء وتوافره في كل المناطق هو الأهم للتنمية وللحفاظ على الحقوق الانسانية.  هنالك نزاعات كبرى تؤثر على القطاعات الاقتصادية وفي طليعتها الزراعة.  العالم يعيش اليوم بظروف انتقالية نتيجة تغيرات فرضت نفسها على الخريطة السياسية العالمية.  من هذه التغيرات رئاسة "دونالد ترامب" وسياساته المفاجئة بما فيها قدية القدس.  من هذه التغيرات الأزمة الكورية التي يظهر أنها ستعالج بهدؤ بعد القمة الكورية وبانتظار القمة الأميركية الكورية الشمالية.  كوريا فهمت أن الحوار هو الطريق الوحيد لتجنب حرب نووية على أرضها وهذا ما نرفض فهمه عربيا أو شرق أوسطيا.  الحرب الكورية تؤذي الكوريين أولا، والحروب العربية تؤذي العرب أولا لكن الكوريين فهموا ذلك ونحن لم نستوعبه بعد.

تدني في أعداد النزاعات وعمقها

في كل حال، هنالك تدني في أعداد النزاعات وعمقها، الا أن حوالي 50 نزاع يبقى في كافة المناطق وخصوصا في أفريقيا والشرق الأوسط ولا حلول.  في الشرق الأوسط، يأتي في الطليعة النزاع العربي الاسرائيلي، والخليجي الايراني والحروب المدمرة في سوريا واليمن.  الحرب السورية المستمرة منذ 2011، لا تجد طريقا جديا وواضحا الى الحل وما زال الدمار والخراب والخسائر تتواصل بسبب غياب الحوار الشفاف المسؤول المطلوب على الطريقة الكورية.  أما مشكلة اليمن، فحجمها الانساني والأمراض الكبيرة المنتشرة تجعل العالم يتساءل عما هي المواضيع التي يمكن أن تبرر مأساة بهذا الحجم.  أوضاع الدول العربية الأخرى ليست جيدة لكنها تحاول ايجاد الحلول الداخلية المناسبة.

صراعات مهمة

في أفريقيا هنالك صراعات مهمة لا تبدأ من ليبيا بل تتواصل الى معظم الدول حيث مرضي الفساد والديكتاتورية يأكلان بل يتحكمان بالثروات الطبيعية وبالطموحات المستقبلية للشعوب.  لم تستطع ليبيا بعد تثبيت الاستقرار لديها ولا بد من مساعدات جدية لم تأت بعد بالرغم من محاولات الأمم المتحدة.  هنالك الصومال التي تشكل طريقا آمنا مزدهرا للقرصنة والتهريب وبالتالي تؤذي كل اقتصادات الدول المحيطة.  هنالك عجز أو تواطؤ في القضاء على القرصنة بسبب مصالح مالية كبيرة تحمي المجرمين.  مشاكل السودان الأمنية والغذائية ما زالت حية بالرغم من التقسيم، ربما بسبب وجود ثروات كبيرة معدنية وغذائية وبالتالي توافر مطامع دولية كبرى في سرقة الثروات.

غالب أو مغلوب

تجد الدول الأفريقية صعوبة في تنفيذ حلول لمشاكلها بهدؤ بما فيها دولة أفريقيا الجنوبية.  الدول الأخرى وضعت حلولا لكن لا يمكن الاطمئنان الى استمرارية التنفيذ كما هو الحال مثلا في كينيا وبوتسوانا وأنغولا وغيرها.  لا توجد آليات مقبولة ثابتة من قبل الفرق والاحزاب المتنازعة لفض الخلافات وتجنب الحروب.  المنطق السائد في المنطقة العربية وأفريقيا هو غالب أو مغلوب ولا مجال لتنفيذ حلول وسطى مقبولة تخفف الخسائر.  تحاول الأمم المتحدة جاهدة في مختلف النزاعات ايجاد حلول وتخفيف الخسائر، الا أن غياب الارادة من قبل المتنازعين والتدخل الخارجي يعقدان الوصول الى نتيجة فاضلة أو يجعله مستحيلا.

الحل الكولومبي مدهش ويدعو للاعجاب

في أميركا اللاتينية، تبقى هنالك صراعات مهمة بالرغم من أن الحل الكولومبي مدهش ويدعو للاعجاب.  سمح الحل للرئيس الكولومبي بالحصول على جائزة نوبل للسلام، وهو يستحقها ويجب أن يعطي أمثولة للمناطق الأخرى للتصرف بالطريقة نفسها.  وضع فينيزويلا محزن ويشير الى كارثة انسانية كما أنه تعيس لدولة غنية في النفط تفتقد الى أبسط المواد الغذائية بالاضافة الى هجرة قسرية للمواطنين الى الدول المجاورة.  لا شك أن تصلب الرئيس مادورو يضر ببلده واقتصاده دون أن يتحمل وحده كل أسباب الأزمة.  هنالك مشاكل كبرى في أميركا اللاتينية لا تقل أهمية عن الصراعات العسكرية وهي تجارة المخدرات التي تتعزز فيها وتنتشر منها الى كل دول العالم.  الحرب على المخدرات فشلت بسبب الفساد وغياب الأخلاق وليس بسبب ضعف الامكانات التقنية والبشرية المتوفرة لانهائها.  لا ننكر وجود مشاكل انسانية في هاييتي وغيرها، الا أنه يجب التنويه بكوبا وانتقالها بهدؤ ورصانة الى ما بعد كاسترو.

المشاكل كبيرة

في آسيا المشاكل كبيرة أيضا لكنها محصورة أكثر بسبب نضوج الحكومات وتوافر وسائل أكبر وأقوى لتنفيذ الحلول.  المشاكل مضبوطة ضمن المنافسة الصينية الروسية دون أن نهمل دوري الولايات المتحدة واليابان.  المشكلة الكورية معروفة والجانب النووي خطير.  هنالك الوضع في أفغانستان كما في باكستان حيث يتعشعش قسم كبير من مصدري الارهاب.  أما طريق الحرير الصينية، فتخيف كل الدول بما فيها الغربية حيث طموحات الصين أصبحت معروفة ومقلقة وفي طور التمدد والتطوير.  أما في أوروبا، فهنالك نزاعات كأوكرانيا لكنها لا تصل اليوم في حجمها الى المناطق الأخرى حيث تتعدى الخلافات القدرة على المواجهة والحل.

قواعد للسلام

تحاول الأمم المتحدة ايجاد قواعد للسلام وارسال جنود الى مناطق النزاع بينها سوريا وجنوب لبنان.  هؤلاء الجنود يأتون من دول مختلفة أي من الولايات المتحدة (28%)، الصين (10%)، اليابان (10%)، ألمانيا وفرنسا وبريطانيا (6% لكل منها) والباقي موزع على دول أخرى.  دعم الولايات المتحدة لهذه العمليات مهم جدا ليس فقط ماليا وانما بشريا أيضا.  تتواجد هذه القوى التي تحفظ السلام في مناطق عدة منها السودان، مالي، هاييتي، قبرص وغيرها.  هنالك دول تنفق الكثير على التسلح بينها النووي وفي مقدمها الولايات المتحدة وروسيا.  أما التأثيرات الاقتصادية لمجمل هذه النزاعات فهي حتما كبيرة وتضر بالتتنمية والنمو وبالتالي بالتحسن المعيشي لأكثرية دول العالم مباشرة أو بصورة غير مباشرة.

8 أشخاص يملكون ثروة تعادل ما يملكه نصف سكان للعالم

موازنة مؤسسة "بيل وميلندا غايتس" الخيرية هي أعلى من موازنة منظمة التغذية العالمية الموجودة في روما.  حوالي 40% في سكان العالم أو 2,8 مليار شخص اليوم يعانون من مشكلة غذائية.  المدهش أن المناطق النائية الزراعية حيث مصدر الغذاء هي المتضررة الأولى من سؤ الغذاء ومن الجوع تحديدا.  حوالي 70% من الأشخاص الذين لا يأكلون حتى الشبع يعيشون في المناطق النائية.  هنالك سؤ توزع للأراضي في كل دول العالم مما يعني أن من يملك الحصص الكبيرة غير مهتم بالزراعة، ومن يملك الحصص الصغيرة غير قادر على الانتاج والتوزيع.  هنالك ضرورة لمواجهة المضاربات على السلع الغذائية الرئيسية التي تسبب ارتفاعا كبيرا في الأسعار.  ان العلاقات التجارية العالمية وشروطها بحاجة الى تحديث حتى لا يأكل الغني والقوي دائما انتاج الفقير والضعيف.  ما هي الحلول الممكنة لمشكلة الغذاء الناتجة عن تفاقم النزاعات السياسية والأمنية؟

أولا:  يجب مساندة الزراعة العائلية والانتاج البيولوجي الطبيعي الصحي الخالي من السماد والأدوية بحيث يصبح المزارع العادي سيد نفسه.  تنتج الزراعة العائلية حوالي 80% من الانتاج العالمي ولا تستثمر الا 12% من الأراضي.  لهذه الزراعات عائدا مرتفعا بالاضافة الى احترامها للقواعد البيئية المعروفة عاليا.  كي تزدهر الزراعة العائلية، يجب ايصال المدرسة والمستشفى الى الريف حتى لا يغادره السكان.  أما الانتاج الطبيعي، فله تقنياته وليس مؤكدا أن جميع سكان الريف يعرفون هذه العلوم وأدواتها.

ثانيا:  زيادة الانتاج الزراعي الصحي عبر التقنيات الحديثة كما عبر مشاركة فاعلة للمرأة في الانتاج والتسويق.  المزارع لا يأخذ حقه في القيمة النهائية للانتاج التي يسلبها منه الوسطاء.  مشاركة المرأة ضرورية في الانتاج اذ تساهم في تخفيض الأسعار المسببة الأولى للجوع عالميا.  يجب اصلاح الأراض المستعملة أي التربة لرفع الانتاج، كما يجب ادخال مساحات جديدة الى الانتاج خاصة في الدول الفقيرة.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment