دول عانت وتتعافى

03/15/2018 - 18:27 PM

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

معظم دول العالم يعاني ان لم يكن جميعها. الاقتصادات تنمو بصعوبة والتحديات الاقتصادية كما السياسية والاجتماعية تكبر. الشعوب تعاني من تكلفة المعيشة وصعوبة تحسين نوعية الحياة ومواجهة تحديات المطالب الأسرية. المطلوب من كل دولة أن ترتب أوضاعها الداخلية، لأن فرص وامكانيات المساعدة الخارجية ضاقت عمليا. من كان يعتقد حتى منذ سنوات قليلة أن دول مجلس التعاون الخليجي ستدخل ضرائب اليها وتخفف أو تلغي الدعم عن العديد من السلع والخدمات. من كان يعتقد أن الدول الخليجية العربية ستعاني كغيرها من الدول الكبرى من عجز كبير في الموازنات يفرض عليها ترشيد الانفاق وايجاد مصادر جديدة للايرادات العامة. اذا كان هذا هو الحال، فكيف لها أن تساعد الدول الأخرى كما فعلت سابقا بالرغم من وجود الرغبة.

أميركا تريد تحسين أوضاعها الداخلية

دول أوروبا تعاني بقوة منذ سنة 2008 ومشكلة خروج بريطانيا من الوحدة ليست أقل المشاكل اذ هنالك كاتالونيا مثلا، كما لا تخلو دولة واحدة من تحديات كبرى بما فيها ألمانيا التي تعثرت حتى في تشكيل حكومتها الجديدة. أوضاع أوروبا عموما تحسنت لكنها لم تتعاف بعد. أميركا تريد تحسين أوضاعها الداخلية، فأنتخبت "دونالد ترامب" ليعيد "أميركا قوية" مجددا. نتائج السنة الأولى من حكم ترامب تتأرجح بين الايجابي في تخفيض البطالة وارتفاع مؤشر البورصة لكنها سلبية في مواضيع مهمة جدا كالعلاقات بين شرائح المجتمع الأميركي المتنوعة. أوضاع أميركا اللاتيتية وأفريقيا معروفة ولا تحسد عليها خاصة في قضايا الفساد. وحدها أسيا تعالج أوضاعها بنجاح وصمت بالرغم من أن تحدياتها تكبر مع نمو سكانها وتعاظم حاجاتهم كما أن أوضاع الكوريتين لا تخلو من المخاطر.

بالرغم من هذا الوصف الواقعي الصعب، لا ننكر وجود تجارب ناجحة أي دول حققت نتائج ايجابية بعد صعوبات مريرة ونقصد هنا تحديدا دول أوروبا الجنوبية الأربعة اليونان، ايرلندا، البرتغال واسبانيا. في اليونان، ارتفع النمو السنوي من سلبي 4,3% في 2009 الى ايجابي 0,7% في سنة 2014 وهذا ليس بالقليل في دولة عانت كثيرا من الفوض والفساد. عانت أيضا من التردد في مساعدتها بسخاء من قبل الأوروبيين والألمان تحديدا كما من قبل المجتمع الدولي وصندوق النقد. نجاح الدول الأخرى لم يكن أقل وهجا حيث ارتفع النمو الايرلندي من سلبي 5,6% في 2009 الى ايجابي 7,8% في 2015. في البرتغال، ارتفع النمو السنوي من سلبي 3% في 2009 الى ايجابي 1,5% في 2015 وفي اسبانيا من سلبي 3,6% الى ايجابي 3,2% في الفترة نفسها. أرقام صندوق النقد الأولية لسنة 2017 جميعها ايجابية للدول الأربعة أي 2,7% لليونان، 3,6% لايرلندا، 1,3%للبرتغال و 2,3% لاسبانيا. تحققت هذه الانجازات المهمة السريعة نسبيا في دول حافظت على الديموقراطية والحريات داخلها وطورت خدماتها وحسنت من فعالية اداراتها العامة.

الاستقرار الاقتصادي كاف أم هنالك عوامل ايضافية

ما هي الأسباب الأساسية لتعثر مسيرة هذه الدول تحديدا بدأ من سنة 2009 علما أن الأزمة كانت عالمية ولم تنجو منها أي دولة حتى المتطورة؟ هل هنالك أسباب مشتركة حتى نستطيع تجنبها في دولنا؟ هل الاستقرار الاقتصادي كاف أم هنالك عوامل ايضافية يجب توافرها لتأمين النمو النوعي؟ هل هنالك أهمية لسؤ توزع الدخل بين الشعوب علما أن الدول الأربعة تعاني بدرجات مختلفة من سؤ العدالة أي توافر نسبة قليلة من الأغنياء وأعداد كبيرة من ذوي الدخل المحدود؟ كما أن الاهتمام بالشركات الصغيرة والمتوسطة لم يكن عموما كبيرا كالاهتمام بالشركات الكبيرة مما دفع بعضها الى الهجرة أو الى الانضمام الى الشركات الكبيرة مما ينعكس سلبا على المنافسة والأسعار وحقوق المستهلكين.

أولا: حجم الدين العام الذي ارتفع كثيرا في الدول الأربعة قبل الأزمة وخلالها. في الأرقام، ارتفع الدين العام اليوناني من 104% من الناتج في سنة 2000 الى 179% في سنة 2014. حصل ذلك بالرغم من الغاء بعض الديون المصرفية تجاه الدولة. في ايرلندا، ارتفع الدين من 36% في سنة 2000 الى 108% في سنة 2014 في دولة كانت تعتبر رائدة في التطور التكنولوجي وبراءات الاختراع. في البرتغال، ارتفع الدين العام من 50% من الناتج الى 130% منه خلال الفترة نفسها علما أن البرتغال لم تكن يوما في مستوى التنمية الذي عرفته ايرلندا. يبقى أن نقول أن اسبانيا رفعت دينها من 58% الى 99% وهي أحدى الاقتصادات الأساسية الأوروبية والدولة الغنية المتنوعة في الزراعة والصناعة وخاصة في الخدمات السياحية الرائدة.

ثانيا: التزام الدول الأربعة بسياسات مالية اتفق عليها مع منظمة الوحدة الأوروبية كما المصرف المركزي الأوروبي بالاضافة الى صندوق النقد الدولي. أعطى هذا الالتزام المعنوي والسياسي كما التطبيقي رسالة جدية الى الأسواق خاصة المالية تحولت الى ثقة متزايدة بالاقتصادات المعنية. الاهتمام بالموازنات كان أساسيا ترشيدا للانفاق غير المجدي وتخفيفا للفساد الذي كان مستشريا في الدول الأربعة. لم تتحقق نفس الانجازات في كل من الدول اذ لكل اقتصاد خصائصه التي احترمت. بعد هذا الانجاز المالي، عادت هذه الدول الى رفع الانفاق بترو لتأمين حاجات الاقتصاد وبعض المطالب الاجتماعية الكثيرة المحقة.

ثالثا: تبين من التجارب الأوروبية أن حجم الصادرات لا يعتمد فقط على مستوى الأجور وبالتالي ليس المطلوب ضرب المستوى المعيشي للعمال والموظفين لتخفيض تكلفة الانتاج لهدف التصدير. تبين أن هنالك عوامل لا تقل أهمية عن الأجور كالانتاجية ومستوى التكنولوجيا وتوافر الأسواق الطالبة للسلع والخدمات. وجود مجتمع عمالي مرتاح يحسن الأجواء العامة ويعطي دفعا للنمو والصادرات.

رابعا: لأن الدول الأربعة هي أعضاء في منطقة اليورو أي تتبع السياسات النقدية للمصرف المركزي الأوروبي، استطاعت حكوماتها التركيز على السياسات المالية واعتمدت في نفس الوقت على السياسات الحكيمة المحافظة للمصرف المركزي الموجود في فرانكفورت.

خامسا: تطبيق الاصلاحات الهيكلية مهم جدا. تطبيقها قبل الأزمات يخفف من وطأتها دون أن يمنعها. تطبيقها بعد الأزمات أو خلالها هو ايجابي لكنه لن يعطي المفعول نفسه. بين الدول الأربعة، كانت ايرلندا الناجحة الأولى أي حافظت على الناتج الفردي الحقيقي بينما تدنى المؤشر بنسب مختلفة في الدول الثلاثة الأخرى. كانت الخسارة ستكون أكبر بكثير لولا تطبيق السياسات المالية المطلوبة والقيام بالاصلاحات الهيكلية.

التجارب المذكورة أعلاه جميعها مفيدة وأعطت نتائج ايجابية واضحة في الدول الأربعة يمكن تطبيقها في الدول العربية. تخفيف الخسائر ضروري حتى لو لم يأت التقدم بسرعة. الاصلاحات لا تتم دفعة واحدة بل هي مسيرة مستمرة، ومهم جدا حسن التوقيت أي تنفيذها قبل الأزمة وليس قسرا خلالها أو بعدها. مهم جدا الانتباه للطبقات غير الميسورة ولأوضاع الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تبقى العمود الفقري لكل الاقتصادات حتى في الولايات المتحدة الأميركية. التنبه لأوضاع المصارف دائما مهم، اذ ليست هنالك أزمات من دون سؤ تصرف مصرفي عائد للادارات ولسؤ الرقابة أو للتواطؤ الممكن دائما. المهم دائما عمل كل ما يمكن لتشجيع الاستثمارات التي تبقى مصدر النمو. في مؤشر سهولة الأعمال الصادر عن البنك الدولي، يأتي ترتيب الدول الأربعة كما يلي: ايرلندا في المركز 17 عالميا، اسبانيا (28)، البرتغال (29) واليونان (67). الفساد هو في صلب هذا التقييم حيث هو الأدنى في ايرلندا والأعلى في اليونان. يمكن للدول تحسين ترتيبها عبر تعديل العديد من الاجراءات والقوانين التي يمكن أن تجذب المستثمرين اليها.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment