هنري زغيب كما لم يراه الآخرون

02/08/2018 - 11:30 AM

 

بقلم: محمد زريق

حطَّت طيور أيلول في وطنها الأبدي لبنان فأبَّى فخامة الرئيس العماد ميشال عون إلا أن يُكرم الأديبة والروائية إميلي نصر الله بمنحها وسام الأرز الوطني من رتبة كومندور تقديراً لعطاءاتها. ولكن هذه المرة لن أطيل الحديث عن إميلي نصر الله فعند سماع خبر التكريم ارتسمت في مخيلتي وبشكل تلقائي وعفوي صورة الشاعر الوطني الكبير والمبدع هنري زغيب، هذا الرجل الذي حَمَلَ وطنه في قلبه وراح ينشره حكايات وكلمات وقصائد لينال لقب "سفير الثقافة اللبنانية"، هنري زغيب الذي لا تنصفه الكلمات ولا الأوسمة والشعارات، هو الذي وهَبَ فكره وعشقه لوطنه دون أي مقابل.

لم يرضى هنري زغيب إلا أن يضع بصمته الدائمة في حياتي فقد خطَّ بيده إهداء أطروحتي للماجستير، وهو الذي قال لي: "سأكون أول المبادرين في كل عمل يخدم القضية اللبنانية والوطن والاغتراب اللبناني، وأنَّ لبنان هذا الصغير بحجمه هو أكبر خزان للعطاء والابداع". في أيام الحرب كما في أيام السلم كان هنري زغيب في طليعة الواقفين إلى جانب الوطن من خلال الكلمة التي دخلت إلى كل أذن وقلب لتجمع وتوحّد على محبة الوطن وتقديسه، هو الذي نادى لبنان في قلبه وعند الشدائد خاطب رئيس الجمهورية رغم اليأس والخوف والقلق والشجون ولكنَّ إيمان وأمل هنري في وطنه كان أكبر، أحب شعبه ووصفه ببيدر الأبطال وبالشعب الواقف بالريح، جاءت كلمات هذا الرجل الثائر والمتمرد والمنحاز إلى الإنسان المضطهد قوية الوقع عندما صرخ للكبار دون خوف وقال "قاوم فَيَداكَ الإعصارُ لا تَخضع فالذلُّ دمارُ" وبعد مجزرة قانا خاطب هنري كل ظالم وقال "أين ستهربون من رِدّة الغضب في صدرِ شعبٍ كاملٍ يَحترفُ الغضب؟ أين ستهربون؟ من لعنة الضميرِ لن يُعينَكم هرب"؛ هذا الرجل الذي سكنت قلبه جميع الحالات والمشاعر الانسانية ولكن ظل "لبنان" عشقه الأول والنهائي، فقد تحدث عن الانسان والابداع والعقل اللبناني ووصف وطنه بالنجم الذي لا يغيب، وكان هنري زغيب الشخص المبدع والخلاق والفنان عندما وصف وطنه بحبة اللؤلؤ التي رسمها الله واعتنى بها إلى أن أصبحت أرض وشعب فريد ومميز.

عندما تتحدث مع هنري زغيب سيقول لك "لا تقل كم العالم صغير، بل قل كم لبنان كبير"، ولكن يا أستاذ هنري دعني أقول لكَ أنَّ لبنان هو كبير بوجودك وحبة اللؤلؤ الذي أكرم الله بها لبنان هي أنتَ وستظل إلى أبد الآبدين نبع الوطنية ومصدر العشق اللامتناهي لهذا الوطن. عندما نرى هنري زغيب ونسمع كلماته سنستذكر الشاعر اللبناني الكبير سعيد عقل والأخوين رحباني وحليم الرومي، هذا الرجل الذي هو عبارة عن ثروة حية وعملة نادرة من جيل لبنان الذي نحب ونعشق، إنها نوستالجيا هنري زغيب المعطرة بالحنين إلى وطن رسمناه وصورناه في مخيلتنا.

هنري زغيب الذي امتهن ودرّسَ الأدب والترجمة والشعر كان شديد التأثر بالنبي جبران خليل جبران وقد كَتَبَ "جبران خليل جبران – شواهدُ الناس والأَمكنة"، وعند قراءة أدب زغيب ستتذوق النكهة الجبرانية. هنري زغيب الشاعر المرهف الذي أبدع في قصائد "إيقاعات" و"قصائد حب في الزمن الممنوع" و"سمفونيا السقوط والغفران" و"من حوار البحر والريح" و"أنتِ.. ولتنتهِ الدنيا" و"تقاسيم على إيقاع وجهِكِ" و"مِنصَّة" و"ربيع الصيف الهندي" و"على رمال الشاطئ الممنوع". وقد أبدعَ نثراً عندما كتبَ "لأَنني المعبد والإِلَهَةُ أنتِ" و"أُنطولوجيا القصة اللبنانية" و"الضيعة اللبنانية بأَقلام أُدبائها" و"صديقةُ البحر" و"طريقُ النَّحل" و"حميميات” و"نقطة على الحرف" و"سعيد عقل إِن حكى" و"لُغاتُ اللغة" و"جبران خليل جبران – شواهدُ الناس والأَمكنة" و"نزار قباني… متناثراً كـريش العصافير" و"الياس أَبو شبكة… من الذّكرى إِلى الذاكرة". وللمسرح اللبناني نصيبه من أعمال هنري الابداعية في "كذبِةْ الحقيقَه" و"عن الذي يأْتي ولا يأْتي" و"العقل زينِه" و"أَبو الفضل خندريس" و"الفُرصَه" و"لبنان يا حبيبي" و"وست ﭘـالم بيتش" و"عشَّاق القلعه" و"لبنان الحكايِه". ولهنري زغيب ترجمات عن الفرنسية والإنكليزية لـ34 كتاباً صادرة في بـيروت وباريس وبغداد وواشنطن بين 1971 و1994.

هنري زغيب الرقم الصعب في الثقافة والتراث اللبناني هو الرئيس المنسِّق لمنطقة لبنان والعالم العربي في “الاتحاد العالمي للدراسات الجبرانية” (جامعة ميريلاند- الولايات المتحدة) منذ 2006 حتى اليوم ورئيس “مركز التراث اللبناني” في “الجامعة اللبنانية الأَميركية” (منذ 2002 حتى اليوم) ورئيس دائرة المنشورات الجامعية في “الجامعة الأَميركية للعلوم والتكنولوجيا” (منذ 2006 حتى اليوم) ورئيس تَحرير مَجلة “أَجنحة الأَرز” ومديرُها المسؤول (تصدر عن “طيران الشرق الأَوسط”) منذ 1996 حتى اليوم وكاتب الزاوية الأُسبوعية “أَزرار” (صباح السبت) في جريدة “النهار” (منذ 1995 حتى اليوم) وصاحب البرنامَـجَين الإِذاعيَّيْن “نقطة على الحرف” و “حرفٌ من كتاب” (تعليق بصوته في إِذاعة “صوت لبنان”، منذ 2004 حتى اليوم). وقد عَمِلَ هنري زغيب كمستشار رئيس الجمهورية للشؤون الثقافية (بعبدا- 1984) ورئيس مجلس المؤلّفين والملحّنين في لبنان (2009 – 2012) ومدير تَحرير “مجلة الصحافة اللبنانية” (تصدرعن نقابة الصحافة اللبنانية) من 1996 إلى 2005 وكاتب الزاوية الأُسبوعية “قَبَس من لبنان” في جريدة “القبس” الكويتية (2007) وصاحب البرنامج التلـﭭـزيوني الأُسبوعي “سعيد عقل إِن حكى” (52 حلقة – تلفزيون لبنان: 2005 – 2007) وصاحب البرنامج التلـﭭـزيوني الأُسبوعي “هنري زغيب يستقبل” (تلـﭭـزيون لبنان – 2007) وكاتب زاوية “كومـﭙـاكت” الأُسبوعية في “نَهار الشباب” (1995-2001) ونائب رئيس اللجنة الوطنية اللبنانية للأُونسكو (2001-2004) ونائب رئيس المكتب التنفيذي في اللجنة الوطنية اللبنانية التابعة لمنظمة الأُونسكو (2001-2004) ورئيس لَجنة الثقافة في اللجنة الوطنية اللبنانية التابعة لمنظمة الأُونسكو (2001-2004) وعضو اللجنة الوطنية اللبنانية لذاكرة العالم التابعة لمنظمة الأُونسكو (منذ 2005 حتى اليوم) وعضو مؤسِّس في اللجنة الوطنية اللبنانية لِمؤسسة “آنّــا ليند لِحوار الثقافات” التابعة لمنظمة الأُونسكو (2006) وكاتب في الصفحة الثقافية من جريدة “النهار” – بيروت (1972-1979) ورئيس القسم الثقافي في مجلة “الصيّاد”- بيروت (1975) ورئيس القسم الثقافي في مجلة “الحوادث”- بيروت (1976 – 1979) وكاتب تعليق ثقافي أُسبوعي:”مفكرة السِلْم في زمن الحرب” طوال 12 سنة متوالية في مَجلة “النهار العربي والدولي” – بيروت (1979- 1990) ورئيس تحرير جريدة “الهُدى” – نيويورك (1989-1991)، وقد نَشَرَ عدداً من المقالات والدراسات والأَبحاث في الأَدب واللغة في “الناقد” (لندن)، “الحياة” (لندن)، “المجال” (واشنطن)، “الشرق الأَوسط” (لندن)، و”الوَسَط” (لندن) وشارك في مهرجانات أَدبية ومؤتمرات ثقافية كثيرة وأَلقى محاضرات وأُمسيات من شِعره في لبنان وسوريا ومصر والأُردن والمغرب والعراق والكويت والسودان والإِمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، وقد زاول تدريس الأَدب العربي والحضارة العربية في 3 جامعات أَميركية: جامعة ميدلبري (فيرمونت) وجامعة جورج تاون (واشنطن) وجامعة فلوريدا، وهو عضو في نقابة المحررين اللبنانيين (منذ 1975)، وفي اتحاد الكتّاب اللبنانيين (منذ 1983)، وفي نقابة الصحافة اللبنانية (منذ 1983)، وفي “جمعية الشعر الأَميركية” (نيويورك) و”رابطة الشعر الحديث” (شيكاغو) و”اتّحاد الشعراء في فلوريدا”، و”اتّحاد الصحافيين العرب الأَميركيين”. وقد حاز جائزة “عالم الشِعر” في كاليفورنيا لعامَين متتاليَيْن (1989 و1990)، وصدرت له قصيدة مترجَمة إِلى الإِنكليزية في “موسوعة الشعر الأَميركي” (1990). وقد أَلقى زغيب أُمسيات شعرية ومحاضرات في ولايات أَميركية عدة (1989-1993)، وله قصائد بصوته في مكتبة الكونغرس الأَميركي (واشنطن1991)، وقد كان مُحاضر زائر في جامعات أَميركية أَبرزُها: دوك (نورث كارولاينا) وﭘـنسِلـﭭـانيا (فيلادلفيا) وماساشوستس (آمهرست) وإِنديانا (نيويورك)، وقد دُعيَ إِلى أُستراليا في العام 1993 وأَلقى محاضرَتَين وأُمسيَتَي شِعر في جامعتَي سيدنِي وملبورن.

أمضى هنري زغيب أيام طفولته مختلياً بين الكتب والمجلات ولم يُعِر الاهتمام الكافي للَّعب مع أترابه، أولى خطوات الابداع كانت عندما طلبت منه المعلمة أنَّ يقرأ الرسالة التي وجهها إليها في عيد المعلم أمام الجميع، وكانت مديرة قسم الصغار الأم ماري وعلى الرغم من قسوتها وحزمها لطيفة في التعامل مع هنري. وهو الذي أبدع شعراً ونثراً في مدرسته، فنال الجوائز والتقدير من مدرسيه الذين أحبهم وأحبوه، وها هو اليوم يبدع ويتألق ويُعلي من شرف ومجد لبنان.

هنري زغيب النجم الذي لا يغيب عن السماء اللبنانية ليُشِعَ نوره ثقافة وعلم وإبداع على لبنان المقيم والمغترب، هو الشعلة التي توقظ الحنين في النفوس وتجمعنا على محبة وطن أنجب عظماء أمثال هنري زغيب، التقدير والتكريم والأوسمة والشعارات قليلة بحق هذه القامة العملاقة، ولكن يكفيك محبة الناس والوطن لك، هذه هي الثورة التي لا تنضب.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment