وسط الزخم الشعبي والسياسي, هل تؤجّل أزمة الاستقالة الانتخابات النيابية أم تسرّعها؟

12/04/2017 - 17:33 PM

BeiruttimesSling

 

خاص بيروت تايمز- بقلم ميشلين أبي سلوم*

 

إنتقل الرئيس سعد الحريري من وضعية الاستقالة إلى وضعية التريّث، في انتظار أن يحصل على أجوبة مؤكدة عن الأسئلة الحيوية التي طرحها في الاستقالة. وهكذا، سارت الأزمة تماماً وفق ما توقَّع العارفون، وانصرف المعنيون إلى مراجعة حسابات الأرباح والخسائر، واستخلاص الدروس:

فحزب الله يحاول استيعاب الموقف، فيما الرئيس الحريري حصل على تعاطف شعبي واسع ظهر في الإحاطة الجماهيرية النادرة في بيت الوسط. وبرز موقع رئيس الجمهورية ميشال عون وهو يمارس الدور السياسي الأول في الحكم، والدور التوفيقي الاستيعابي. وفي لحظات، تذكّر المراقبون صورة الرئيس الكامل الصلاحيات في مرحلة ما قبل الطائف. وبروز عون لم يأخذ من طريق الرئيس نبيه بري والنائب وليد جنبلاط اللذين كانا مرتاحين إلى تعويم روحية لقاء كليمنصو. وفي الموازاة، ربح التيار الوطني الحر عودة الشراكة مع الحريري حول الملفات الحيوية، وفي مقدمها النفط والكهرباء.

لقد أدت الأزمة إلى تقوية الحريري بشكل لم يتوقعه كثيرون. واستطاع الرجل أن يضبط الإيقاع في شكل كامل داخل الوسط السنّي. وبات اليوم القطب الوحيد المرشح لرئاسة الحكومة، بفارق شاسع عن منافسيه المفترضين، بعدما كان هؤلاء قد حاولوا التقدّم في الفترة السابقة. وتالياً، بات الحريري الأكثر اطمئناناً إلى إجراء الانتخابات النيابية في أية لحظة. وفوق ذلك، اكتسب الحريري تعاطفاً لدى الشيعة. وبرز تعاطف شعبي مسيحي معه. فالمسيحيون، على اختلاف انتماءاتهم السياسية، يتأثرون عادةً بعنوان السيادة الوطنية الذي تمسك به الحريري في حيثيات استقالته.

والاستنتاج هو أن جميع الذين هم في السلطة رابحون. والبعض يعتقد أن القوات اللبنانية قد تكون الطرف الوحيد، داخل الحكومة، الذي لم يستفد من الأزمة، علماً أنها كانت قد عبّرت مراراً عن اعتراضها على مسار التطبيع المتسارع مع نظام الرئيس بشّار الأسد، وعلى منطق الصفقات الذي تدار به الملفات، كما كان يقول وزراؤها قبل الأزمة!

إذاً، هنا يبرز السؤال الآتي: هل يتوافق الخارجون أقوياء من الأزمة على إجراء الانتخابات النيابية واستثمار الزخم الشعبي والسياسي في ذروته وتقاسم المكاسب على حساب القوى الأخرى؟ وهل يعني ذلك تقريب موعد الانتخابات ليحققوا أفضل النتائج على طريقة إضرب الحديد وهو حامٍ؟ أم يختلفون وتطير الانتخابات مرّة أخرى؟

لم يعد هناك أي عذر منطقي لعدم إجراء الانتخابات النيابية في موعدها المقرر، بعد تمديد ثالث للمجلس النيابي، في أيار 2018. وعلى العكس، هناك حديث عن تقريب موعد الانتخابات، بناء على مبادرة طرحها الرئيس نبيه بري قبل استقالة الرئيس الحريري. ولكن، على رغم ذلك، لم يبدأ أي طرف سياسي جدياً ورشة الاستعداد لهذه الانتخابات.

ومهمة التحضير للانتخابات يجب أن تكون إجراءً روتينياً يتم تمريره حتى في ظل حكومة تتريَّث أو تصرّف الأعمال. ولكن، واقعياً، يفترض كثيرون أن الشرط الأساسي لإجراء الانتخابات هو عبور الأزمة الحكومية بسلام.

ويجزم أركان الحكم ووزير الداخلية نهاد المشنوق أن الانتخابات ستجري في موعدها هذه المرة، على رغم الأصوات المشككة، والتي تخشى افتعال الأزمات السياسية لتبرير تعطيل الانتخابات. وتؤكد مصادر رئيس الجمهورية ميشال عون أن الانتخابات ستجرى في موعدها من دون أدنى شك، وكذلك يجزم الرئيس الحريري أن لا نيّة عند أحدٍ في التمديد للمجلس النيابي الحالي. وأما الرئيس بري فيؤكد على حسم موعد الانتخابات، من دون تسجيل مسبق للناخبين ولا غير مسبق، ولا بطاقة بيومترية ولا غير بيومترية أو ممغنطة أو غير ذلك. فالانتخابات ستجري بشكل طبيعي وكالمعتاد في أماكن تسجيل النفوس وببطاقة الهوية وجواز السفر. ويرفض بري أي تعديل لقانون الانتخاب، معلناً وقوفه القاطع ضد أي تمديد جديد للمجلس النيابي حتى ولو لدقيقتين. وقال: الزلزال وحده يعطّل الانتخابات، وليس أي شيء آخر.

ومن علامات الرغبة في إجراء الانتخابات، أقر مجلس الوزراء صرف اعتمادات لهيئة الاشراف على الانتخابات، كي تبدأ العمل وتستأجر مقراً وتؤمن رواتب العاملين فيها. وأكد الوزير المشنوق انه سيتم تخصيص 130مليون دولار لطبع البطاقة الممغنطة، حتى لو لم تستعمل في هذه الانتخابات.

وكشفت أوساط وزارية أن الإنتخابات ستجري ببطاقة الهوية العادية أو جواز السفر، بعدما تم طي صفحة الهوية البيومترية، نظراً إلى صعوبة توفيرها لما يقارب ثلاثة ملايين ونصف المليون لبناني في المهلة الفاصلة حتى موعد الإستحقاق.

وتعود إلى الواجهة فكرة الرئيس بري إجراء انتخابات مبكرة، التي كان قد أعلن سحبها من التداول، بعدما تبيّن أن دونها الكثير من المصاعب السياسية لدى العديد من القوى، عدا المصاعب التقنية التي تجعل التنفيذ أمراً صعباً جداً.

اللجنة الوزارية

أشارت بعض المصادر إلى أن  اللجنة الوزارية المكلفة درس سبل تطبيق قانون الانتخاب، ستعاود اجتماعاتها قريباً، على ان تستكمل نقاشاتها من حيث انتهت. فيما لا يزال الخلاف قائماً على 3 نقاط هي:

- التسجيل المسبق للناخبين في أماكن سكنهم.

- الصوت التفضيلي.

- بأية بطاقة سيتم الاقتراع.

وفيما يكثر الحديث عن اعتراض قوى معينة على ما تعتبره القانون المعقّد الذي سيعطي غالبية نيابية تفوق 70نائباً ل 8 آذار، مقابل 58 نائباً لقوى 14 آذار، وكل ذلك على مشارف المهل الدستورية الداهمة وأولها دعوة الهيئات الناخبة في شباط المقبل، لا تستبعد المصادر ان ترتفع بعض الأصوات المنادية بالعودة الى قانون 1960، لمرة وحيدة وأخيرة، لإجراء الانتخابات على اساسه، علماً ان هذه الخطوة ستواجَه باعتراضات داخلية واسعة.

لماذا إصرار عون؟

ويرتدي إجراء الانتخابات النيابية في موعدها أهمية خاصة بالنسبة إلى رئاسة الجمهورية. فعند انتخابه، أعلن الرئيس عون أن عهده لم يبدأ في تشرين الثاني 2016، بل سيبدأ في صيف 2017، بعد إجراء الانتخابات النيابية التي كانت مقررة في حزيران وتشكيل حكومة جديدة. فجاء التمديد للمجلس حتى أيار 2018 ليؤجل بداية العهد.

ولذلك، هناك من يخشى، قبل نحو 5 أشهر من موعد الانتخابات، أن يقوم البعض برمي العصيّ في دواليب الاستحقاق، ما يضطر عون إلى الانتظار أكثر من أجل أن يبدأ عهده الحقيقي.

وكلام رئيس الجمهورية على الربط بين بداية العهد وإجراء الانتخابات النيابية يعني أنه يصرّ على الوفاء بكل الوعود التي قطعها للناس. وتالياً، هو يعني أن عون يثق تماماً في أن الانتخابات المقبلة ستتكفل بعزل جزء مُهمّ من هذه التركيبة السياسية الحالية وانفراط عقدها ونشوء دينامية جديدة منتجة في المجلس النيابي والحكومة.

ويراهن عون على أن المعطيات التي تعوق انطلاق العهد في عملية التغيير المطلوبة ستتبدل بعد الانتخابات. فهو يطمح إلى قانون انتخاب واضحٍ، يتكفّل بالتغيير، ويرفض التمديد للمجلس مجدداً، أياً كانت الذرائع. فما حصل هو استيلاد قانون يحتاج إلى الكثير من الإيضاحات، حتى بالنسبة إلى صانعيه.

لكن أوساطاً قريبة من عون تطمئن القلقين على مسيرة الإصلاح بأن كل الأمور ستأخذ طريقها الصحيح بعد الانتخابات، وأن رئيس الجمهورية لن يفرِّط ب 6 سنوات تشكل أمامه فرصة لبناء الجمهورية القوية التي وعد بها. فمن أصل السنوات ال 6، مضى العامان الأّولان... ولو جرت الانتخابات النيابية في موعدها الافتراضي في أيار 2018.

ويقال عادة في لبنان إن رؤساء الجمهورية يمضون العامين الأوّلين من العهد للتمكن من الإمساك بالحكم ومفاصله، ويكونون في ذروة القوة في العامين التاليين، ثم يبدأون الاستعداد للخروج أو التمديد!... في العامين الأخيرين.

الاستقالة والانتخابات؟

في أي حال، لم يعد الرئيس سعد الحريري في وضعية الاستقالة. وربما تنفرج الأزمة نهائياً في موعد قريب. ولكن، حتى ولو استمرت الاستقالة فإنها لا يجوز أن تؤثر على اجراء الانتخابات في موعدها الدستوري، كما يقول النائب المحامي غسان مخيبر. ولو لم يتم تشكيل حكومة جديدة قبل الانتخابات، فإن دعوة الهيئات الناخبة واحترام المهل الدستورية المتعلقة بالانتخابات هي من ضمن صلاحيات حكومة تصريف الأعمال، لكونها تقع ضمن اطار استمرار عمل مؤسسات الدولة وديمومة عملها كمرفق عام.

وكذلك، رأى عضو كتلة القوات اللبنانية النائب أنطوان زهرا أن بالإمكان إجراء الانتخابات النيابية حتى ولو كنا في ظل حكومة تصريف أعمال. فهذا عمل إجرائي عادي، يستطيع رئيسا الجمهورية والحكومة ووزراء المال والداخلية والخارجية أن يوقعوا مرسوم دعوة الهيئات الناخبة في مواعيدها وكل التحضيرات اللوجستية واردة إذا تم تجاوز اعتماد الهوية البيومترية المستحيل اعتمادها في هذه الانتخابات.

*صحافية لبنانية

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment